فصل: الخبر عن شأن الجريد واستكمال فتحه

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


  الخبر عن وفاة الأمير أبي عبد الله صاحب قسطنطينة من الأبناء

وولاية بنيه من بعده إقباله وألقى عليه محبته لما كان يتوسم في شواهده من الترشيح وما تحلى به من خلال الملك‏.‏وكان الناس يعرفون له حق ذلك‏.‏وذلك أن ابن عمر كان مستبداً بالثغور الغربية‏:‏ بجاية وقسطنطينة ومدافعاً عنها العدو من زناتة المطالبين لها‏.‏فلما هلك ابن عمر سنة تسع عشرة كما قدمناه صرف السلطان نظره إلى ثغوره فعقد على بجاية لابنه الأمير أبي زكرياء وعقد على حجابته لابن القالون وسرحه معه لمدافعة العدو وعقد على قسطنطينة لابنه الأمير أبي عبد الله ومعه أحمد بن ياسين‏.‏وخرجوا جميعاً من تونس سنة عشرين ونزل كل بعمله‏.‏وقدم ظافر الكبير من الغرب فولاه السلطان حجابة ابنه قسطنطينة وأنزله بها إلى أن هلك سنة سبع وعشرين على تيمرزدكت كما ذكرناه فجاء حجابته من تونس أبو القاسم بن عبد العزيز الكاتب فأقام أربعين يوماً‏.‏ثم رجع إلى الحضرة وأضاف السلطان حجابة قسطنطينة لابن سيد الناس إلى حجابة بجاية وبعث إليها نائباً عنه مولاه هلال النازع إليه عن موسى بن علي قائد بني عبد الواد فقام بحضرة الأمير أبي عبد الله إلى أن كانت نكبة ابن سيد الناس عندما بلغ الأمير أبو عبد الله أشده وجرى في طلق استبداده ففوض له في عمله السلطان وأطلق من عنانه وكان يؤامره في شأنه ويناجيه في خلوته‏.‏وأنزل معه بقسطنطينة مولاه نبيلاً من المعلوجي يقيم له رسم الحجابه‏.‏ثم استدعى ظافر السنان من تونس سنة أربع وثلاثين لقيادة الأعنة والحرب فقدم لذلك وأقام سنة ونصفها‏.‏ثم رجع وقام نبيل بحجابته كما كان‏.‏ودفع ليعيش بن‏.‏من صنائع الدولة لقيادة العساكر وحماية الأوطان فقاسمه لذلك مراسم الخدمة ورتب الدولة‏.‏واستمرت حال الأمير أبي عبد الله على ذلك والأيام تزيده ظوراً ومساعيه الملوكية تكسبه خلالاً وترشيحاً إلى أن اغتبط دون غايته وإعتاقه الأجل عن مداه فهلك رضوان الله عليه آخر سبع وثلاثين وقام بأمره من بعده كبير بنيه الأمير أبو زيد عبد الرحمن فعقد له السلطان أبو بكر على عمل أبيه لنظر نبيل مولاهم لمكان صغره واستمرت حالهم على ذلك إلى آخر الدولة وكان من أمرهم ما نذكره بعد والله تعالى أعلم‏.‏

  الخبر عن شأن العرب ومهلك حمزة

ثم أجلاب بنيه على الحضرة وانهزامهم ومقتل معز وزيرهم وما قارن ذلك من الأحداث لما ملك السلطان أبو الحسن تلمسان وأعمالها وقطع دابر آل زيان واجتث أصلهم وجمع كملة زناتة على طاعته واستتبعهم عصباً تحت لوائه‏.‏ودانت القبائل بالانقياد له وتخبت القلوب لرعبه ووفد عليه حمزة بن عمر يرغبه في ممالك إفريقية ويستحثه لها ديدنه مع أبي تاشفين من قبله فكف بالبأس من غلوائه وزجره عن خلافه على السلطان وشقاقه‏.‏ونهج له بالشفاعة سبيلاً إلى معاودة طاعته والعمل بمرضاته فرجع حمزة إلى السلطان عائذاً بحلمه متوسلاً بشفاعة صاحبه زعيماً بإذعانه وقطع مواد الخلاف من العرب باستقامته فتلقاه السلطان بالقبول وإسعاف الرغبة والجزاء على المناصحة والمخالصة‏.‏ولم يزل حمزة بن عمر من لدن رضى مولانا السلطان عنه وإقباله عليه صحيح الطاعة خالص الطوية منادياً بمظاهرة محمد بن الحكم قائد حربه وشهاب دولته على تدويخ إفريقية وتمهيد أعمالها وحسم أدواء الفساد منها‏.‏وأخذ الصدقات من جميع ظواعن البدو الناجعة في أقطارها وجميع الطوائف المتعاصين بالثغور على إلقاء اليد للطاعة والكف عن أموال الجباية فكانت لهذا القائد آثار في ذلك مهدت من الدولة وأرغمت أنوف المتعاطين للاستبداد في القاصية حتى استقام الأمر وانمحى أثر الشقاق فاستولى على المهدية سنة تسع وثلاثين وغلب عليها ابن عبد الغفار المنتزي بها من أهل رجيس واستولى على تبسة وتقبض على صاحبها محمد بن عبدون من مشيختها وأودعه سجن المهدية إلى أن أطلق بعد نكبته ونازل توزر من بعد ذلك حتى استقام ابن يملول على طاعته المضعفة‏.‏واسترهن ولده ونازل بسكرة غير مرة يدافعه يوسف بن منصور بن مزني بذمة عليه يدعيها من السلطان أبي بكر وسلفه‏.‏ويعطيه الجباية عن يد مع ما كان له من الإعتلاق بخدمة السلطان أبي الحسن فيتجافى عنه ابن الحكيم لذلك بعد استيفاء مغارمه‏.‏وزحف إلى بلاد ريغة فافتتح قاعدتها تقرت واستولى على أموالها وذخيرتها وسار إلى جبل أوراس فافتتح الكثير من معاقله‏.‏وعصفت ريح الدولة بأهل الخلاف من كل جانب وجاست عساكر السلطان خلال كل أرض‏.‏وفي أثناء ذلك هلك حمزة بن عمر سنة اثنتين وأربعين على يد أبي عون علي بن كبير أحد بطون بني كعب بطعنة طعنه بها غيلة فأشواه وقام بأمره من بعده بنوه وكبيرهم يومئذ عمر وداخلتهم الظنة أن قتله بإملاء الدولة فاعصوصبوا وتدامروا واستجاشوا بأقتالهم أولاد مهلهل فجيشوا معهم وزحف إليهم ابن الحكيم في عساكر السلطان من زناتة والجند ففلوه واستلحموا كثيراً من وجوههم‏.‏ورجع إلى الحضرة فتحصن بها واتبعوه فنزلوا بساحتها سنة ثلاثين وقاتلوا العساكر سبع ليال‏.‏ثم اختلفوا ونزع طالب بن مهلهل في قومه إلى طاعة السلطان فأجفلوا وخرج السلطان على تفيئة ذلك في جمادى من سنته في عساكره وأحزابه من العرب وهوارة فأوقع بهم برقادة من ضواحي القيروان‏.‏ورجع إلى حضرته آخر رمضان من سنته‏.‏وذهبوا مقلولين إلى القفر ومروا في طريقهم بالأمير أبي العباس بقفصة فرغبوه في الخلاف على أبيه وأن يجلبوا به على الحضرة فأملى لهم في فلك حتى ظفر بمعز بن مطاعن وزير حمزة وكان رأس النفاق والغواية فتقبض عليه وقتله وبعث برأسه إلى الحضرة فنصب بها‏.‏ووقع ذلك من مولانا السلطان أحسن المواقع‏.‏ثم وفد بعدها على الحضرة فبايع له بالعهد في آخر سنته في محفل أشهده الملأ من الخاصة والكافة بإيوان ملكه وكان يوماً مشهوداً قرئ فيه سجل العهد على الكافة وانفضوا منه داعين للسلطان‏.‏وراجع بنو حمزة الطاعة من بعدها واستقاموا عليها إلى أن كان من أمرهم ما نذكره‏.‏

  الخبر عن مهلك الحاجب ابن عبد العزيز وولاية أبي محمد بن تافراكين

من بعده وما كان على تفيئة ذلك من نكبة ابن الحكيم هذا الرجل اسمه أحمد بن إسماعيل بن عبد العزيز الغساني وكنيته أبو القاسم وأصل سلفه من الأندلس انتقلوا إلى مراكش واستخدموا بها للموحدين واستقر أبوه إسماعيل بتونس‏.‏ونشا أبو القاسم بها واستكتبه الحاجب ابن الدباغ ولما دخل السلطان أبو البقاء خالد إلى تونس ونكب ابن الدباغ لجأ ابن عبد العزيز إلى الحاجب ابن غمر وخرج معه من تونس إلى قسطنطينة واستقر ظافر الكبير هنالك فاستخدمه إلى أن غرب إلى الأندلس كما قدمناه‏.‏ثم استعمله ابن غمر على الأشغال بقسطنطينة سنة ثلاث عشرة فقام بها وتعلق بخدمة القانون بعد استبداد ابن غمر ببجاية‏.‏فلما وصل السلطان أبو بكر إلى تونس سنة ثمان عشرة استقدمه القالون واستعمله على أشغال تونس‏.‏ثم كانت سعايته في القالون مع المزوار بن عبد العزيز إلى أن فر القالون سنة إحدى وعشرين وولي الحجابة المزوار بن عبد العزيز وكان أبو القاسم بن عبد العزيز هذا رديفاً لضعف أدواته‏.‏ولما هلك ابن عبد العزيز المزوار بقي أبو القاسم بن عبد العزيز يقيم الرسم إلى أن قدم ابن سيد الناس من بجاية وتقفد الحجابة كما قدمناه فغص بمكان ابن عبد العزيز هذا وأشخصه عن الحضرة وولاه أعمال الحامة‏.‏ثم استقدم منها عندما ظهر عبد الواحد بن اللحياني بجهات قابس فلحق بالسلطان في حركته إلى تيمرزدكت وأقام في جملة السلطان إلى أن نكب ابن سيد الناس وولي الحجابة بالحضرة كما ذكرنا ذلك لكله من قبل إلى أن هلك فاتح سنة أربع وأربعين فعقد السلطان على حجابته لشيخ الموحدين أبي محمد عبد الله بن تافراكين‏.‏وكان بنو تافراكين هؤلاء من بيوت الموحدين في تينملل ومن آيت الخمسين‏.‏وولي عبد المؤمن كبيرهم عمر بن تافراكين على فاس أول ما ملكها الموحدون سنة أربعين وخمسمائة إلى أن فتحوا مراكش فكان عبد المؤمن يستخلفه عليها أيام مغيبه على الإمارة والصلاة‏.‏ولما ثار بمراكش عبد العزيز وعيسى ابنا أومغار أخي الإمام المهدي سنة إحدى وخمسين كان أول ثورتهم أن اعترضوا عمر بن تافربكين عند ندائه للصلاة فقتلوه وفضحهم الصبح واستلحمهم العامة ثم كان ابنه عبد الله بن عمر من بعده من رجالات الموحدين ومشيختهم‏.‏ولما عقد الخليفة يوسف بن عبد المؤمن على قرطبة لأخيه السيد أبي إسحاق أنزل معه عبد الله بن عمر بن تافراكين للمشورة مع جماعة من الموحدين كان منهم يوسف بن وانودين وكان عبد الله المقدم فيهم‏.‏وجاء ابنه عمر من بعده متقبلاً مذهبه مرموقاً تجلته‏.‏ولما ولي السيد أبو سعيد بن عمر بن عبد المؤمن على إفريقية ولاه قابس وأعمالها إلى أن استنزله عنها يحيى بن غانية سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة‏.‏ثم كان منهم بعد ذلك عظماء في الدولة وكبراء من المشيخة آخرهم عبد العزيز بن تافراكين خالف الموحدين بمراكش لما نقضوا بيعة المأمون فاغتالوه في طريقه إلى المسجد عند الأذان بالصبح بما كان محافظاً على شهود الجماعات‏.‏ورعاه له المأمون في أخيه عبد الحق وبنيه أحمد ومحمد وعمر فلما استلحم الموحدون وعمهم الجزع ارتحل عبد الحق مورياً بالحج ونزل على السلطان المستنصر فأنزله بمكانه من الحضرة وسرحه بعض الأحايين إلى الحامة لحسم الداء فيها‏.‏وقد كان يوقع الخلاف من مشيختها فحسن غناؤه فيها وقتل أهل الخلاف وحسم العلل‏.‏وولاه السلطان أبو إسحاق على بجاية بعد مقتل محمد بن أبي هلال فاضطلع بها‏.‏ولما ولي الدعي ابن أبي عمارة سرحه في عسكر من الموحدين لقهر العرب وكف عدوانهم فأثخن فيهم ما شاء‏.‏ولم يزل معروفاً بالرياسة مرموقا بالتجلة إلى أن هلك‏.‏وكان بنو أخيه عبد العزيز وهم‏:‏ أحمد ومحمد وعمر جاءوا على أثره من المغرب فنزلوا بالحضرة خير منزل وغذوا بلبان النعمة والجاه فيها‏.‏وكان أحمد كبيرهم‏.‏وولاه السلطان أبو حفص على قفصة ثم على المهدية ثم استعفى من الولاية وكان السلطان أبو عصيدة يستخلفه على الحضرة إذا خرج منها على ما كان لأوليه إلى أن هلك لأول المائة الثامنة سنة ثلاث‏.‏ونشأ ابناه أبو محمد عبد الله وأبو العباس أحمد في حجر الدولة وجو عنايتها‏.‏وأصهر عبد الله منهما إلى أبي يعقوب بن يزدوتن شيخ الدولة في ابنته فعقد له عليها‏.‏وأصهر من بعده أخوه أحمد إلى أبي محمد بن يغمور في ابنته فعقد له أيضاً عليها‏.‏واستخلص أبو ضربة اللحياني كبيرهما أبا محمد عبد الله وآثره بصحابته فلم يزل معه إلى أن كانت الوقيعة عليه بمصوح وتقبض على كثير من الموحدين فكان في جملتهم‏.‏ومن عليه السلطان أبو بكر ورقاه في رتب عنايته إلى أن ولأه الوزارة بعد الشيخ أبي محمد بن القاسم‏.‏ثم قدمه شيخاً على الموحدين بعد مهلك شيخهم أبي عمر بن عثمان سنة اثنتين وأربعين وبعثه إلى ملك المغرب مع ابنه الأمير أبي زكرياء صاحب بجاية صريخاً على بني عبد الواد فجلى في خدمة ابن السلطان وعرض سفارته‏.‏وتوجه لإيثار بعدها إليه واختص بالسفارة إلى ملك المغرب سائر أيامه‏.‏وغص الحاجب ابن سيد الناس بمكانه وهم بمكروهه فكبح السلطان عنانه عنه ويقال أنه أفضى إليه بذات صدره من نكبته‏.‏ولما انقسمت خطط الدولة من الحرب والتدبير ومخالصة السلطان وتنفيذ أوامره بين ابن عبد العزيز الحاجب وابن الحكيم القائد كان له هو القدح المعلى في المشورة والتدبير وكانوا يرجعون إليه ويعولون على رأيه وكان ثالث أثافيهم ومصقلة آرائهم‏.‏ولما هلك الحاجب ابن عبد العزيز وكان السلطان قد أضمر نكبة ابن الحكيم لما كان يتعاطاه من الاستبداد ويحتجنه من أموال السلطان وأسر الحاجب ابن عبد العزيز إلى السلطان زعموا بين يدي مهلكه بالتحذير من ابن الحكيم وسوء دخلته وأنه فاوضه أيام نزول العرب عليه بساح تونس سنة اثنتين وأربعين كما قدمناه في الإدالة من السلطان ببعض الأعياص من بني أبي دبوس كانوا معتقلين بالحضرة ألقاها الغدر على لسانه ضجراً من قعود السلطان عن الخروج بنفسه إلى العرب وسأمه مما هو فيه من الحصار فاعتدها عليه ابن عبد العزيز حتى ألقاها إلى السلطان عند موته وبرئ منها إليه فأودعها أذناً واعية وكان حتف ابن الحكيم فيها‏.‏فلما هلك وولي شيخ الموحدين أبو محمد بن تافراكين فاوضه في نكبة ابن الحكيم وكان بتربص به لما كان بينهما من المنافسة‏.‏وكان ابن الحكيم غائباً عن الحضرة في تدويخ القاصية وقد نزل جبل أوراس واقتضى مغارمه وتوغل في أرض الزاب واستوفى جبايته من عامله يوسف بن منصور وتقدم إلى ريغ ونازل تغرت وافتتحها وامتلأت أيدي عساكرهم من مكاسبهم وحليهم‏.‏واتصل به خبر مهلك ابن عبد العزيز وولاية أبي محمد بن تافراكين الحجابة فنكر ذلك لما كان يظن أن السلطان لا يعدل بها عنه‏.‏وكان يرشح لها كاتبه أبا القاسم بن واران ويرى أن ابن عبد العزيز قبله لم يتميز بها إيثاراً عليه فبدا له ما لم يحتسبه فظن الظنون ونعر ثم أصحب وأغذ السير إلى الحضرة وقد واكب السلطان أبا محمد بن تافراكين في نكبته وأعد البطانة للقبض عليه وقدم على الحضرة منتصف ربيع من سنة أربع وأربعين وجلس له السلطان جلوساً فخماً فعرض عليه هديته من المقربات والرقيق والأنعام حتى إذا انفض المجلس وشيع السلطان وزراءه وانتهى إلى بابه أشار إلى البطانة فأحدقوا به وتلوه إلى محبسه‏.‏وبسط عليه العذاب لاستخراج الأموال فأخرجها من مكامن احتجانها وحصل منها في مودع السلطان أربعمائة ألف من الذهب العين ومثلها أو ما يقاربها من الجوهر والعقار إلى أن استصفى‏.‏ولما أمتك عظمه ونفد ماله خنق بمحبسه في رجب من سنته وذهب مثلاً في الأيام‏.‏وغرب ولده مع أمه إلى المشرق وطوح بهم الاغتراب إلى أن هلك منهم من هلك وراجع الحضرة علي وعبيد منهم في آخرين من أصاغرهم بعد أيام وأحوال والله يحكم لا معقب لحكمه‏.‏

  الخبر عن شأن الجريد واستكمال فتحه

وولاية ابنه أبي العباس عليه وولاية صاحب قابس أحمد بن مكي علي جزيرة جربة كان أمر الجريد قد صار إلى الشورى مند شغلت الدولة بمطالبة زناتة بني عبد الواد وما نالها لذلك من الاضطراب واستبد مشيخة كل بلد بأمره ثم انفرد واحد منهم بالرياسة وكان محمد بن يملول من مشيخة توزر هو القائم فيها والمستبد بأمرها كما سنذكره‏.‏ولما فرغت الدولة إلى الاستبداد وأرهف السلطان حمده للثوار وعفا على آثار المشيخه بقفصة وعقد لابنه الأمير أبي العباس على بلاد قسطيلية‏.‏ونزل بقفصة فأقام بها ممهداً لأمارته مردداً بعوثه إلى البلاد اختباراً لما يظهرون من طاعته‏.‏وزحف حاجبه أبو القاسم بن عتو بالعساكر إلى نفطة ابتلاء لطاعة رؤسائها بني مدافع المعروفين ببني الخلف وكانوا أخوة أربعة استبدوا في رياستها في شغل الدولة عنهم فسامهم سوء العذاب ولاذوا بجدران الحصون التي ظنوا أنها مانعتهم وتبرأت منهم الرعايا فأدركهم الدهش وسألوا النزول على حكم السلطان فجنبوا إلى مصارعهم وصلبوا على جذوعهم آية للمعتبرين وأفلت السيف علياً صغيرهم لنزوعه إلى العسكر قبل الحادثة فكانت له ذمة واقية من الهلكة‏.‏وانتظم الأمير أبو العباس بلد نفطة في ملكته وجدد له العقد عليه أبوه‏.‏وتملك الكثير من نفزاوة‏.‏ولما استبيحت نفطة ونفراوة سمت همته إلى ملك توزر جرثومة الشقاق وعش الخلاف والنفاق وخشي مقدمها محمد بن يملول مغبة حاله وذهب إلى مصانعة قائد الدولة محمد بن الحكيم بذات صدره فتجافى عنه إلى أن كان مهلكها في سنة واحدة واضطرب أمر توزر وتواثب بنوه وأخوته وقتل بعضهم بعضاً‏.‏وكان أخوه أبو بكر معتقلا بالحضرة فأطلقه السلطان من محبسه بعد أن أخذ عليه المواثيق بالطاعة والجباية ومضى إلى توزر فملكها وطالبه الأمير أبو العباس صاحب قفصة وبلاد قسطيلية بالانقياد الذي عاهد عليه فنازعه ما كان في نفسه من الاستبداد‏.‏وصارت توزر لذلك شجاً معترضاً في صدر إمارته فخاطب أباه السلطان أبا بكر‏.‏وأكراه به فنهض إليه سنة خمس وأربعين وانتهى إلى قفصة وطار الخبر إلى أبي بكر بن يملول رئيسها يومئذ فأدركه الدهش وانفض من حوله الأولياء وجاهر بطاعة السلطان ولقائه ففر عنه كاتبه وكاتب أبيه المستولي على أمره علي بن محمد التمودي المعروف الشهرة ولحق ببسكرة في جوار يوسف بن مزني واتخذ السلطان السير إلى توزر فخرج إليه أبو بكر بن يملول وألقى إليه بيده وخلط نفسه بجملته‏.‏ثم ندم على ما فرط من أمره وأحس بالنكراء من الدولة ونذر بالمهلكة فلحق بالزاب ونزل على يوسف بن منصور ببسكرة فتلقاه من الترحيب والقرى بما يحدث به الناس‏.‏ولما استولى السلطان على توزر وانتظمها في أعماله عقد عليها لابنه الأمير أبي العباس وأنزله بها وأمكنه من رمتها ورجع السلطان إلى الحضرة ظاهراً عزيزاً وتملأ أيام ملكه إلى أن هلك على فراشه كما نذكر‏.‏واتصلت ممالك الأمير أبي العباس في بلاد الجريد وشاور أبو بكر بن يملول توزر مراراً يفلت في كلها من المهلكة إلى أن مات ببسكرة سنة سبع وأربعين قبل مهلك السلطان كما نذكر‏.‏وأقام الأمير أبو العباس بمحل إمارته ولم يزل يمهد الأحوال ويستنزل الثوار‏.‏وكان ابن مكي قد امتنع عليه بقابس وكان من خبره أنه لما رجع عبد الملك من تونس مع عبد الواحد بن اللحياني الذي كان حاجباً له ذهب ابن اللحياني إلى المغرب وأقام هو بقابس‏.‏ثم استراب بمئال أمره مع السلطان حين ذهب ملك آل زيان وأوفد أخاه أحمد بن مكي على السلطان أبي الحسن متنصلاً من ذنوبه متذمماً بشفاعة منه إلى السلطان أبي بكر فشفع له وأعاده السلطان إلى مكان رياته‏.‏واستقام هو على الطاعة ونكب عن سنن العصيان والفتنة‏.‏وكان لأحمد بن مكي حظ من الخلال والأدوات ونفس مشغوفة بالرياسة والسرو‏.‏وكان يقرض الشعر فيجيد ويرسل فيحسن وكان خط كتابه أنيقاً ينحو به منحى الخط الشرقي شأن أهل الجريد فيمتع ما شاء فكانت لذلك كله في نفى الأمير أبي العباس صاغية إليه‏.‏وكان هو مستريباً بالمخالطة لما شاء من إثارة السالفة‏.‏ولم يزل الأمير أبو العباس يفتل له في الذروة والغارب إلى أن جمعها مجلس السيدة أمة الواحدة أخت مولانا السلطان قافلة من حجها فمسح ما كان في صدره وأحكم له عقد مخالصته واصطنعه لنفسه فحل من إمارته بمكان غبطة واعتزاز‏.‏وعقد له السلطان على جزيرة جربة واستضافها إلى عمله وأنزل عنها مخلوف بن الكماد من صنائعه كان افتتحها سنة ثمان وثمانين وعقد له السلطان عليها ونزلها أحمد بن مكي‏.‏واستقل أخوه عبد الملك برياسة قابس وأقاما على ذلك وجردا عزائمهما في ولاية أبي

  الخبر عن مهلك الوزير أبي العباس بن تافراكين

كان السلطان أبو بكر عند نكبته لقائده ابن الحكيم استعمل على حجابته شيخ الموحدين أبا محمد بن تافراكين كما ذكرناه وفوض إليه فيما وراء بابه وعقد على الوزارة لأخيه أبي العباس أحمد‏.‏وكان أبو محمد جلس بالباب لمكان الحجابة فدفع إلى الحرب وقود العساكر وإمارة الضاحية أخاه أبا العباس فقام بما دفع إليه من ذلك‏.‏وكان بنو سليم بعد مهلك حمزة بن عمر نقموا ما كان عليه من الإذعان وسموا إلى الخلاف والعناد فكان من أبناء حمزة في ذلك من الأجلاب على الحضرة ما ذكرناه‏.‏وكان سحيم ابن‏.‏من أولاد القوس بن حكيم بهمة غوار ومارد خلاف وعناد وكان السلطان قد ولى على حجابة ابنه الأمير أبي العباس في أعمال الجريد أبا القاسم بن عتو من مشيخة الموحدين وكان يناهض بني تافراكين بزعمه في الشرف وينفس عليهم ما أتاهم الله من الرتبة والحظ فلما ولي أبو محمد الحجابة ملئ منه حسداً وحفيظة وداخل فيما زعموا سحيماً هذا الغوي في النيل من أبي العباس بن تافراكين صاحب العساكر وشارطه على ذلك بما أداه إليه وتكاتموا أمرهم‏.‏وخرج أبو العباس بن تافراكين فاتح سنة سبع في العساكر لجباية هوارة فوفد عليه سحيم هذا وقومه وضايقوه في الطلب‏.‏ثم انتهزوا الفرصة بعض الأيام وأجلبوا عليه فانفض معسكره وكبا به فرسه فقتل وحمل شلوه إلى الحضرة فدفن بها‏.‏وجاهر سحيم بالخلاف وخرج إلى الرمال فلم يزل كذلك إلى حين مهلك السلطان كما نذكره‏.‏

  الخبر عن مهلك الأمير أبي زكرياء صاحب بجاية من الأبناء

وما كان بعد ذلك من ثورة أهل بجاية بأخيه الأمير أبي حفص وولاية ابنه الأمير أبي عبد الله كان السلطان أبو بكر لما هلك الحاجب ابن غمر عقد على بجاية لابنه الأمير أبي زكرياء كبير ولده وأنفذه إليها مع حاجبه محمد بن القالون كما ذكرناه وجعل أموره تحت نظره‏.‏ثم رجع القالون إلى تونس فأنزل معه ابن سيد الناس كذلك فلما استبد بحجابة الحضرة جعل على حجابته أبا عبد الله بن فرحون‏.‏ثم لما تقبض على ابن سيد الناس وعلى ابن فرحون وقد استبد الأمير أبو زكرياء بأمره وقام على نفسه فوض السلطان إليه الأمر في بجاية وبعث إليه ظافر السنان مولى أبيه الأمير أبي زكرياء الأوسط قائداً على عسكره والكاتب أبا إسحاق بن غلان متصرفاً في حجابته فأقام ببابه مدة‏.‏ثم صرفهما إلى الحضرة وقدم لحجابته أبا العباس أحمد بن أبي زكرياء الرندي كان أبوه من أهل العلم وكان ينتحل مذهب الصوفية الغلاة ويطالع كتب عبد الحق بن سبعين‏.‏ونشأ أحمد هذا ببجاية واتصل بخدمة السلطان وترقى في الرتب إلى أن استعمله الأمير أبو زكرياء كما قلناه‏.‏ثم هلك وقد أنف السلطان أبو بكر من انتزاء هؤلاء السوقة على حجابة ابنه فأنفذ لهم حضرته كبير الموحدين يومئذ صاحب السفارة أبا محمد بن تافراكين سنة أربعين وسبعمائة فأقام أحوال ملكه وعظم أبهة سلطانه وجهز العساكر لسفره وأخرجه إلى أعماله فطاف عليها وتفقدها وانتهى إلى تخومها من المسيلة ومقرة‏.‏ولم يستكمل الحول حتى سخطه مشيخة من أهل بجاية لما نكروا من الأبهة والحجاب حتى استغلظ عليهم باب السلطان وتولى كبر ذلك القاضي ابن أبي يوسف تعنتاً وملالاً واستعفى هو من ذلك فأعفي وعاد إلى مكانه بالحضرة‏.‏ثم استقدم الأمير أبو زكرياء حاجبه الأول لعهد ابن سيد الناس وهو أبو عبد الله محمد بن فرحون وقد كان السلطان بعثه في غرض الرسالة إلى ملك المغرب في الأسطول الذي بعثه مدداً للمسلمين عند إجازة السلطان أبي الحسن إلى طريف‏.‏وكان أخوه زيد بن فرحون قائد ذلك الأسطول بما كان قائد البحر ببجاية فلما رجع ابن عبد الله بن فرحون من سفارته تلك أذن له في المقام عند الأمير أبي زكرياء واستعمله على حجابته إلى أن هلك فولى من بعده في تلك الخطة ابن القشاش من صائع دولته‏.‏ثم عزله وولى عليها أبا القاسم بن علناس من طبقة الكتاب اتصل بدار هذا الأمير وترقى في ديوانه إلى أن ولاه خطة الحجابة‏.‏مم عزله بعلي بن محمد بن المنت الحضرمي وكان أبوه وعمه قدما مع جالية الأندلس وكانا ينتحلان القراءات‏.‏وأخذ أهل بجاية عن عمه أبي الحسن علي القراءات وكان طموحاً للرياسة واتصل بحظية كانت لمولى أبي زكرياء تسمى أم الحكم قد غلبت على هواه فرسخت على ابن المنت هذا خطة الحجابة واستعمله فيها فقام بها وأصلح مونات السلطان وأحوال مقامته في سفره وجهز له العساكر وجاد في نواحي أعماله‏.‏وهلك هذا الأمير في إحدى سفاراته وهو على حجابته بتاكرارت من أعمال بجاية من مرض كان أزمن به في ربيع الأولى سنة سبع وأربعين وكان ابنه الأمير أبو عبد الله في حجر مولاه فارح من معلوجي بن سيد الناس‏.‏وكانوا اصطنعوه فألفوه قابلاً للترشيح فأقام مع ابن مولاه ينتظر أمر الخليفة وبادر حاجبه الأول أبو القاسم بن علناس إلى الحضرة وأنمى

  الخبر إلى الخليفة فعقد على بجاية لابنه الأمير أبي حفص

كان معه الحضرة وهو أصاغر ولده وأنفذه إليها مع رجاله وأولي اختصاصه‏.‏وخرج معه أبو القاسم بن علناس فوصل إلى بجاية ودخلها على حين غفلة‏.‏وحمله الأوغاد من البطانة على إرهاف الحد وإظهار السطو فخشي الناس البوادر وائتمروا‏.‏ثم كانت في بعض الأيام هيعة تمالأ فيها الكافة على التوثب بالأمير القادم فطافوا بالقصبة في سلاحهم ونادوا بإمارة ابن مولاهم‏.‏ثم تسوروا جدرانها واقتحموا داره وملكوا عليه أمره وأخرجوه برمته بعد أن انتهبوا جميع موجوده وتسايلوا إلى دار الأمير أبي عبد الله محمد ابن أميرهم ومولاهم بعد أن كان معتزماً على التقويض عنهم واللحاق بالخليفة جده‏.‏وأذن له في ذلك عمه الأمير القادم فبايعوه بداره من البلد‏.‏ثم نقلوه من الغد إلى قصره بالقصبة وملكوه أمرهم‏.‏وقام بأمره مولاه فارح ولقبه باسم الحجابة واستمر حالهم على ذلك‏.‏ولحق الأمير أبو حفص بالحضرة آخر جمادى الأولى من سنته لشهر من يوم ولايته إلى أن كان من شأنه بعد مهلك مولانا السلطان ما نذكره‏.‏وتدارك السلطان أمر بجاية وبعث إليهم أبا عبد الله بن سليمان من كبراء الصالحين من مشيخة الموحدين يسكنهم ويؤنسهم وبعث معهم كتاب العقد عليها لحافده الأمير أبي عبد الله محمد بن الأمير أبا زكرياء ذهاباً مع مرضاتهم لسكنت نفوسهم وأنسوا بولاية ابن مولاهم وجرت الأمور إلى مصايرها كما نذكره‏.‏مهلك السلطان ابي بكر وولاية ابنه

  الخبر عن مهلك مولانا السلطان أبي بكر

وولاية ابنه الأمير أبي حفص بينما الناس في غفلة من الدهر وظل ظليل من العيش وأمن من الخطوب تحت سرادق من العز وذمة واقية من العدل إذ ريع السرب وتكدر الشرب وتقلصت ظلال العز والأمن وتعطل فناء الملك ونعي السلطان أبو بكر بتونس فجأة من جوف الليل ليلة الأربعاء ثاني رجب سنة سبع وأربعين وسبعمائة فهب الناس من مضاجهم متسايلين إلى القصر يستمعون نبأ النعي وأطافوا به سائر ليلتهم تراهم سكارى وما هم بسكارى‏.‏وبادر الأمير أبو حفص عمر ابن السلطان من داره إلى القصر فملكه وضبط أبوابه واستدعى الحاجب أبا محمد بن تافراكين من داره ودعوا المشيخة من الموحدين والموالي وطبقات الجند وأخذ الحاجب عليهم البيعة للأمير أبي حفص‏.‏ثم جلس من الغداة جلوساً فخماً على الترتيب المعروف في الدولة أحكمه الحاجب أبو محمد لمعرفته بعوائدها وقوانين ترتيبها لقنه عن أشياخه أهل الدولة من الموحدين وغدا عليه الكافة في طبقاتهم فبايعوا له وأعطوه صفقة إيمانهم‏.‏وانفض المجلس وقد انعقدت بيعته وأحكمت خلافته‏.‏وكان الأمير خالد ابن مولانا السلطان مقيماً بالحضرة قدمها سائراً منذ أشهر وأقام متملياً من الزيارة فلما سمع النعي فر من ليلته وتقبض عليه أولاد منديل من الكعوب وردوه إلى الحضرة فاعتقل بها‏.‏وقام أبو محمد بن تافراكين بخطة الحجابة كما كان وزيادة تفويض واستبداد إلا أن بطانة السلطان كانوا يكثرون السعاية فيه ويوغرون صدره عليه بذكر منافسات ومناقشات سابقة بين الحاجب والأمير أيام أبيه واتصل ذلك غصاً بمكانه ونذر الحاجب بذلك منهم فأعمل الحيلة في الخلاص من صحابتهم كما نذكر بعد‏.‏